عبد الكريم الخطيب

982

التفسير القرآنى للقرآن

وكل إنسان يبدو له يوم القيامة أنه قد غبن في حياته الدنيا ، سواء أكان في المحسنين أم في المسيئين . . أما المحسن ، فلأنه لم يزدد في إحسانه ، وهو يرى في هذا الموقف - موقف الحساب والجزاء - أن كل ما عمله من أعمال حسنة هو قليل - وإن كثر - بالنسبة لما يطلبه ، ويتمناه في هذا الموقف ، الذي يحتاج فيه الإنسان إلى رصيد عظيم من الأعمال الصالحة ، حتى يلحق بالسابقين الذين سبقوا إلى الجنة ، ولم يقفوا موقف الحساب ، بل طاروا إليها طيرانا . وأما المسئ فإنه يرى أنّه ظلم نفسه ظلما مبينا ، إذ أطلق العنان لشهواته وأهوائه ، وأنه باع نجاته وسلامته بثمن بخس ، لا يعدو أن يكون ساعات من اللهو واللعب . وهكذا يرى كل إنسان يومئذ ، أنه على حال غير محمودة عنده ، وأن أمورا كثيرة كان يمكن أن يأخذ فيها وضعا آخر غير الوضع الذي أخذه في الدنيا . . إنه يوم تكثر فيه الحسرات ، وزفرات الندم ، وصرير الأسنان ! قوله تعالى : « ومن يؤمن باللّه ويعمل صالحا يكفّر عنه سيئاته ويدخله جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم » . هو تعقيب على هذا الوصف الذي وصف به يوم القيامة ، بأنه يوم التغابن ، ويراد بهذا التعقيب دفع ما يقع من وهم يجعل من هذا اليوم يوم سوء للناس جميعا ، وأنهم جميعا واقعون تحت مشاعر الغبن ، التي من شأنها أن تملأ النفس حسرة وألما . . فجاء قوله تعالى : « ومن يؤمن باللّه ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار » - جاء هذا ، ليقيم نفوس المؤمنين الذين عملوا الصالحات على الرضا ، والحمد ، لما هداهم اللّه إليه من الإيمان ، ولما وفّقهم إليه من أعمال صالحة ، وأنه لا بأس عليهم من هذه الأعمال السيئة الّتى عملوها إلى جانب الأعمال الصالحة ، الّتى يسوؤهم أن يروها في يومهم هذا ،